صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
316
تفسير القرآن الكريم
الحضور لديه ، ومع ذلك هو القائم على كل نفس بما كسبت بيديه لاستوائه برحمانيته على عرش وجود الحوادث والكائنات ، واستقلاله بالإفاضة والإيجاد على الموجودات من غير تأثير لغيره إلا في الإعداد . فظهر أن لا واسطة بينه وبين كل موجود ، ولا تفاوت فيها عنده ، ولا تعاقب لوجود على وجود لديه ، بل هو بوحدته مقوّم ذات الجميع ، وبفردانيّته مقرّر ماهية الكل ، أثبت معيّته لنا أينما كنا ومتى كنّا ، عالين أو سافلين ، سابقين أولا حقين ، فإذا كان كذلك كان علمه حضوريا شهوديا ، إشراقيا نوريا ، فعبّر عن ذلك بأنه بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . ( 5 ) ولما علم مما ذكر سابقا كونه مبدءا فاعليا للجميع أراد التنبيه على أنه المبدأ الغائي أيضا للكل ، وحيث كان الأول كاشفا عن الثاني مستلزما له ، ذكر رجوع الأمور إليه بعد ما أعاد ذكر نسبة ملك السماوات والأرض إليه ، ليعلم أنه الغاية القصوى للكل كما إنه المبدأ الأعلى للجميع بتوسط ( بتوسيط - ن ) المنافع والغايات الجزئية وتسبيب ( تسبب - ن ) الأسباب المتوسطة لوجود الأشياء على الوجه الذي أراد وشاء . ( 6 ) ثم لما مرت الإشارة إلى الأسباب القابليّة الأرضية والفاعلية السماوية لخلق المركبات العنصرية أراد أن يشير إلى أن تأثير الأسباب العالية في القوابل السافلة متوقف على الحركة المتجددة ليقرب المعلول إلى علّته - فإن الأمور مرهونة بأوقاتها الحاصلة من حركات أسبابها وتغيّراتها ، فاختلاف الحركات والأوقات سبب لاختلاف الحوادث والكائنات ، كما يشاهد تبدل الفصول الموجب لتخالف الليالي والأيام ، المستلزم لاختلاف أحوال الخلائق والأنام - عبّر عن تفاوت الليل والنهار على الوجه المشاهد المستلزم لاعتدال الكائنات بولوج كل منهما في صاحبه ، موميا إلى المنافع والغايات المترتبة على تفاوتهما في المقدار واختلافهما في الآثار ، وبيّن أن الجاعل لهما على هذا الوجه المقرر ، والمولج لكل منهما في الآخر : هو سبحانه - لتدبير الكائنات ومصلحة الموجودات . فإنه سبحانه لو لم يجعل الأنوار الكوكبية ذات حركة سريعة مشتركة ، وأخرى بطيئة مختصة ، ولم يجعل دوائر الحركات